الرئيسية / طب وصحة / “فأنا لا أملك في الدّنيا إلا عينيكِ، وألواني ” في شعبة جرا

“فأنا لا أملك في الدّنيا إلا عينيكِ، وألواني ” في شعبة جرا



“فأنا لا أملك في الدّنيا إلا عينيكِ، وألواني..”

في شعبة جراحة القلب، يدقّ صوت نداء المستشفى قبّة قحفك، فتشعر بالإرهاق أكثر عندما تتذكّر أنّك “مسجون في الغربة”، ثم ترتعد من تلك الأفكار، لا أعرف كيف يتحول اليأس إلى سعادة غامرة في لحظات.

ربّما تكون سعيداً بالفعل عندما تصل لتلك المرحلة التي يتوقّف فيها نصفي كرة مخّك عن الدّوران، ففي تلك اللحظة يصبح دماغك نظيفاً من كلّ شيء غير الرّغبة بالنّوم.

على أيّة حال الليل هنا مجرَّد من المشاعر الرّومنسية، بل إنّه أحياناً يتحوّل لغطاء أسود يطبق على الصدور، لا نحلم فيه بمواعدة من نحبّ وتكتفي أدمغتنا بشعور الغبطة حين تقع في أحضان وسادة على سرير شاغر في الشّعبة.

قلت في سرّي “النّوم تاج على رؤوس الأصحّاء، لا يعرف قيمته إلا طبيب ساهر على راحة المرضى”، وأطبقت جفوني

ولكنها ثواني قليلة حسبتها ساعات، وإذ بالممرضة تسابق جهاز المونيتو في الصّراخ.

على أيّة حال كان عليّ أن أعرف منذ البداية أن المناوبة في العناية بعد جراحة القلب أمر يحتاج إلى قدرة جبّارة على التّحمّل، لكن التراجع أمر ليس من ضمن خياراتي فنحن هنا نفعل ما نحبّ حتّى لو أرغمتنا الظروف على مقاساة ما نكره.

ركضت بقدمين نصف مشلولتين، ولو كان بإمكاني وصف التّعب بطريقة أصدق لكنت سأفعل.
يبدو أن المريض لديه حالة سطام تاموري، لا وقت للتفكير حتّى، يتصبّب العرق من جبهتك ومن كل خلاياك.
تعتريك الرّجفة من رأسك حتّى أخمص قدميك، ففي مثل هذه الحالة يحتاج المريض لدخول غرفة العمليات بشكل إسعافي، ولكن “اعطيني عمر ليجي الأخصائي”.

وقفت فوق صدره والحرارة تتدفّق في عروقي، وربّما بشكل فطري -وأعرف أنه ليس كذلك- تناولت المبضع وقمت بفك القطب التي كانت تضم شفاه الجرح الطريّ، في محاولة منّي لتخفيف الضغط على عضلة القلب.

ورغم أن المريض نجا من الموت ودخل غرفة العمليات وخرج منها، مازلت حتى هذه اللحظة أشعر برأسي مكوّر تحت جناح أسود ويأكل طير الموت منه.

ففي تلك اللحظة كان الشيء الوحيد الذي يحول بين المريض وأجله هو يداي فقط، وفقط يداي.
فتحت كفي ووضعتها أمام وجهي تأمّلتها، وراحت نبضات قلبي تتسارع، شيء ما بداخلي يقول بأنّ الله يختارنا بعناية ويسوقنا إلى أقدارنا “بمزيد من الرّضا والتّسليم”. شيء ما يقول بأننا أدوات بين يدي الإرادة الإلهية.

شيء ما يعيد ترتيب الهلع الذي بدأ ينشب بداخلي منذ أن صرخت والدتي في وجهي حين دخلت تخصص الجراحة وكأنها تحضر حفلة تأبين، ربما كانت كذلك، لكن رغم السنوات التي تمر هنا بطريقة تشعرك بأنك (تزرع شبابك في المقبرة) إلا أن هذه البذور تنبت على هيئة دعوات صادقة وضحكات بريئة، وقلوب تستعيد النّبض بفضل عشرة أصابع وأحياناً خمسة فقط.!

بعد تخريج المريض من العناية، كان هناك شيء جديد تعلّمك إياه الحياة في المشافي فقط، تعلّمك كيف تكون إنساناً رغم أنّك ستواجه كل ما من شأنه أن يدفن هذا الشعور فيك.

وفي شعبة جراحة القلب تحوّل اسم المريض إلى “مريض السطام”، من المألوف أن الأطباء لا يحفظون أسماء مرضاهم بل يستخدمون أرقام الغرف والعمليات كوسوم.

كانت طفلة “مريض السطام” تجلس بجانبه وقد أطفأت ضوء الكلام، بين يديها دفتر ومجموعة أقلام، ربّما استعاضت عن الكلام بالرّسم والتأمّل، كانت تنتظره ربّما ليحملها مرّة أخرى على كتفيه مثل ملاك يجلس على كتف سماء، كانت “كارلا” صامتة ليست كما يقولون عنها “خرساء”، لأن نظراتها في وجه أبيها كانت أبلغ موقف إنساني.

نظرات تردّد بصوت مرتفع:

كن بخير من أجلي، “فأنا لا أملك في الدّنيا، إلا عينيك وألواني”.
د. مايا معلا


(سماعة حكيم)



2 تعليقان

  1. Maya Malla

  2. دفتر مايا